استهلاك اللحوم الحلال

شهد استهلاك اللحوم الحلال تطوّرًا ملحوظًا خلال الثلاثين سنة الماضية. ويرتبط هذا التطوّر بالتحوّلات الديمغرافية من جهة، وبالارتفاع النسبي للقدرة الشرائية لدى المسلمين من جهة أخرى. فهل يقتصر هذا التغيّر على فئة اللحوم المصنَّفة كـ«حلال» فقط ؟

استهلاك وإنتاج اللحوم في العالم : لمحة موجزة

منذ سنة 1990 تضاعف الاستهلاك العالمي للحوم. فقد شهدت بعض مناطق الغرب — مثل الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا — تضاعفًا في استهلاك الفرد للحوم خلال الخمسين سنة الماضية. غير أنّ هذا التطوّر لا يقتصر على الدول الغربية وحدها

فعلى مستوى دول «البريكس»، نلاحظ أنّ استهلاك اللحوم في الصين (عدد السكان 1,416 مليار نسمة) قد تضاعف أربع مرات ليبلغ 65 كلغ للفرد سنويًا
أمّا في الهند، حيث وصل عدد السكان إلى 1,463 مليار نسمة، فإن الاستهلاك يبقى ضعيفًا للغاية في حدود 5 كلغ للفرد سنويًا ويُعزى ذلك إلى خصوصيات دينية وثقافية تؤثر في علاقة المجتمع الهندي باللحوم. وتجدر الإشارة إلى أنّ الهند تُعدّ رابع أدنى دولة في العالم استهلاكًا للحوم بعد بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وبنغلاديش

وفي آسيا، يظهر ديناميك قوي كذلك في هذا المجال. فبحسب بيانات موقع «عالمنا في البيانات »، أصبحت آسيا اليوم تحتلّ المرتبة الأولى عالميًا في إنتاج اللحوم، مساهمةً بحصة كبيرة من الإنتاج العالمي. ويمثل ذلك تحولًا مهمًا مقارنةً بالعقود السابقة؛ إذ كانت أوروبا وأمريكا الشمالية خلال ستينيات القرن الماضي هما المنطقتان الرائدتان في إنتاج اللحوم

غير أنّ هذا الوضع تغيّر مع مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تراجعت الحصة المجمّعة لأوروبا وأمريكا الشمالية بشكل كبير، في حين أصبحت آسيا المنطقة المهيمنة عالميًا في إنتاج اللحوم

في منطقة الشرق الأوسط

شهدت منطقة الشرق الأوسط تطورًا لافتًا بالقدر نفسه. إذ يُقدّر حجم سوق اللحوم الصالحة للاستهلاك بحوالي 29,93 مليار دولار أمريكي سنة 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 33,20 مليار دولار بحلول سنة 2029

وعلى مستوى الدول، تُعد المملكة العربية السعودية صاحبة أعلى معدل استهلاك للحوم الصالحة للاستهلاك، بنسبة  من القيمة الإجمالية لسوق اللحوم في الشرق الأوسط
وتعمل المملكة على توسيع منشآت الإنتاج الحيواني بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج اللحوم
فعلى سبيل المثال، تخطط السعودية لاستثمار 5 مليارات دولار لزيادة إنتاج الدواجن، مع استهداف بلوغ 80% من الاكتفاء الذاتي في لحوم الدواجن بحلول سنة 2025

إفريقيا

أما في الجانب الإفريقي، فإن ضعف توفر المنتجات الحيوانية يؤدي إلى انخفاض استهلاك اللحوم، حيث يبلغ متوسط الاستهلاك حوالي 20 كلغ للفرد سنويًا على مستوى القارّة

ووفقًا لمنصة  يتراوح معدل استهلاك اللحوم في إفريقيا بين 0 و50 كلغ سنويًا للفرد، بينما يتراوح بين 50 و121 كلغ في باقي مناطق العالم

وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فإن التطور الإفريقي — رغم أنه واضح وملموس — يبقى نسبيًا عند مقارنته ببقية مناطق العالم. ففي حين تشهد بعض الدول الإفريقية تقدمًا ملحوظًا، يظل الفارق كبيرًا عند المقارنة مع دول كبرى مثل الصين

وتأتي الإحصاءات المقارنة بين بعض الدول الإفريقية والصين عادة لإبراز اتساع الفجوة في الإنتاج والاستهلاك والقدرات

بالمقارنة مع باقي دول المغرب العربي، يُعدّ استهلاك اللحوم في الجزائر من بين الأدنى في المنطقة. كما أنّ جميع الدول الإفريقية تظلّ دون مستويات الاستهلاك المسجّلة في الدول الغربية

وكما أشرنا سابقًا، فإن الهند — ذات الاستهلاك المنخفض جدًا للحوم — تُشكّل استثناءً بارزًا داخل مجموعة البريكس، إذ تختلف بشكل واضح عن دول أخرى مثل البرازيل والصين اللتين تشهدان معدلات استهلاك مرتفعة نسبيًا

تُظهر البيانات أنّ جميع دول الجنوب العالمي — باستثناء الصين والبرازيل وجزء من دول أمريكا الجنوبية — تُحافظ على مستوى استهلاكٍ سنوي للحوم يقلّ عن 60 كلغ للفرد خلال سنة 2022

تتصدّر لحوم الدواجن معدلات الاستهلاك العالمي، حيث يبلغ متوسط استهلاك الفرد منها 16,88 كلغ سنويًا، تليها لحوم الخنزير بمعدل 15,13 كلغ سنويًا للفرد، ثم لحوم الأبقار والجاموس بمعدل 9,33 كلغ سنويًا للفرد، وبفارق كبير تأتي لحوم الأغنام والماعز التي لا تتجاوز 2,01 كلغ سنويًا للفرد

وفي كل الحالات، يظلّ النوع الأكثر إقبالًا في العالم هو لحوم الدواجن، فهي اللحوم الأقل تكلفة والأكثر انتشارًا عالميًا، كما أنها لا تواجه قيودًا دينية كتلك المرتبطة بلحوم الخنزير

وبالتالي، فإن هذا النسق من الاستهلاك العالمي يستلزم توفرًا مستمرًا في الإمدادات، مما يفرض وجود صناعة تربية حيوانية ضخمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة

وقد بلغ عدد الدواجن المذبوحة لتلبية الطلب العالمي حوالي 76,25 مليار دجاجة

أما مجموع الحيوانات المذبوحة لاستهلاك لحومها، فيُظهر الرسم البياني المذكور أرقامًا مذهلة لسنة 2022، تعكس حجم الطلب الكبير على اللحوم عالميًا

  الدجاج: 76,25 مليار

  البط: 4,19 مليار

  الخنازير: 1,51 مليار

  الأغنام: 695,48 مليون

  الماعز: 543,79 مليون

  الديوك الرومية (الحبش): 521,97 مليون

  الأبقار: 309,87 مليون

أوروبا

رغم أنّ استهلاك اللحوم في القارّة العجوز يظل ضمن الشريحة العليا عالميًا، فقد بلغ عدد الأبقار المذبوحة سنة 2022 حوالي  مليون رأس. ومع ذلك، فإن هذا الرقم يبقى أدنى بنسبة 1,1% مقارنة بالسنة السابقة، بل وأقل بـ 5,3% مقارنة بسنة 2018
وقد تراجعت إنتاجية لحوم الأبقار في الاتحاد الأوروبي بنسبة 2,4% لتستقر عند 6,6 ملايين طن

وسُجّل انخفاضٌ في عمليات الذبح لدى معظم الدول الأوروبية باستثناء إيرلندا وإسبانيا، ومن المتوقّع أن يستمر هذا التراجع خلال سنة 2023

فرنسا

تضمّ فرنسا 960 مذبحًا، من بينها ما بين 233 إلى 263 مذبحة مخصّصة للجزارة موزّعة على كامل التراب الوطني.وتؤدي المسالخ دورًا أساسيًا في سلاسل الإنتاج الحيواني وفي منظومة الغذاء، لأنها تشكل محطة إلزامية لعبور الحيوانات المعدّة للاستهلاك

غير أنّ الاستهلاك الفرنسي للحوم — كما هو الحال في أغلب البلدان الأوروبية — يشهد تراجعًا ملحوظًا. وتتعدّد أسباب هذا التراجع

بين ديسمبر 2016 وديسمبر 2022، فقد القطيع البقري الفرنسي 9,5% من عدد رؤوسه، أي ما يعادل 837 ألف بقرة .

شمل الانخفاض 494 ألف بقرة للّحوم (-11,4%) و443 ألف بقرة حلوب أو مزدوجة الإنتاج (-7,7%) .

بين 2021 و2022، ارتفع معدّل التراجع السنوي من 2,8% إلى 3% وفقًا لمعهد تربية المواشي .

وتزداد حدّة الاتجاه نحو الانخفاض، وذلك نتيجة صعود التيارات النباتية والفيغانية والحركات المناهضة للتمييز تنامي الاهتمام بـ رفاه الحيوان، ممّا يدفع شريحة من المستهلكين إلى الابتعاد عن اللحوم تعقّد إدارة الإنتاج الصناعي للحوم، الأمر الذي أدّى إلى إغلاق العديد من المسالخ الصغيرة والمتوسطة

اللحوم الحلال

ورغم هذا التراجع العام، تُسجّل اللحوم الحلال نموًا لافتًا في الاستهلاك، حيث ارتفعت المبيعات بنسبة 15% في الأسواق الكبرى والمتوسطة (GMS)

وتشير » كاثرين تاكوانغ « إلى أنّ هذا التطوّر واضح خاصة لدى الأسر الفرنسية التي تضم خمسة أفراد أو أكثر
كما تُذكّر بأن نحو 12 مليون أسرة فرنسية اقتنت منتجات حلال

ويورد تقرير تحقيق صادر عن الجمعية الوطنية الفرنسية أنّه

يمثّل الذبح دون صعق سنة 2014 نحو 15% من الأبقار و27% من الأغنام وهذا يشير أساسًا إلى الذبح الإسلامي الحلال، إذ لا يمثّل الذبح اليهودي سوى 1,6% من إجمالي الذبح الديني، أي أقل من 200 ألف رأس سنويًا من أصل 9 ملايين حيوان تُذبح سنويًا

وفي سنة 2016، كان 128 مذبحة للجزارة تتمتع بالترخيص للذبح الديني، إضافة إلى 68 مذبحة للدواجن.

لكن فرنسا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي تشهد نموًا في سوق المنتجات الحلال. ففي السنوات الأخيرة، شهدت إسبانيا زيادة غير مسبوقة في الطلب على الأغذية الحلال
وبحسب بيانات سوق الجملة في برشلونة (Mercabarna)، فإن 56% من لحوم الأبقار و62% من لحوم الأغنام المُباعة هناك تُذبح وفقًا للأحكام الشرعية الإسلامية

فهل الأمر خاص بفرنسا وحدها ؟

وفقًا للموقع المتخصص Salaam Gateway، فإن السوق العالمي للغذاء الحلال يسجّل نموًا بنسبة 6,2%، وهو ما يؤكّد أنّ ازدهار الطلب على المنتجات الحلال يشكّل اتجاهًا عالميًا، وليس مقتصرًا على دولة أو منطقتين فقط

لكنّ التطوّر الاقتصادي في مختلف الدول الإسلامية، إلى جانب النمو الديمغرافي العام في العالم الإسلامي، يمنح دفعًا قويًا ليس فقط لسوق الأغذية الحلال، بل لكل فئات المنتجات التي يشعر المسلمون بالحاجة إلى منحها شهادة الحلال. كما أنّ العولمة تسهم في توسّع حركة تبادل السلع على نحو متزايد

وفي هذا السياق، تُعدّ فرنسا — التي تضمّ جالية مسلمة كبيرة — جزءًا من هذه الديناميكية العالمية المتعلّقة بنموّ سوق الأغذية الحلال، فضلًا عن أنواع أخرى من المنتجات الموجّهة لتلبية احتياجات المسلمين الفرنسيين

وبحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية ، في دراسته حول التنوع الديني في فرنسا، فإن 10% من سكان فرنسا في سنة 2020 يُعرّفون أنفسهم كمسلمين، أي ما يعادل 6,7 ملايين مسلم.

إلا أنّ هذه الأرقام محلّ جدل واسع؛ إذ تشير مصادر عديدة إلى أنّ عدد المسلمين يبلغ حوالي 8,4 ملايين، استنادًا خصوصًا إلى دراسة عالم الاجتماع فرانسوا هيران

وفي كتابه  يعرض جيروم فوركيه أرقامًا أخرى؛ إذ يؤكد في تحليلاته أنّه «في فرنسا بحكم تجدد الأجيال، نسبة تقارب واحدًا من كل خمسة سكان مسلماً، وربما واحدًا من كل أربعة مسلماً إذا استمرت النزعة التصاعدية التي نُلاحظها منذ مطلع سنوات « 2000

أُنجزت هذه الدراسة اعتمادًا على تحقيقات ميدانية سنة 2016. وبالتالي، وبعد مرور ما يقارب عشر سنوات، يمكننا الاستنتاج بأن رقم ثمانية ملايين قد يكون بعيدًا عن الواقع الحالي. ومع ذلك، فإن استقرار حجم هذه الفئة السكانية — وبالتالي استقرار أنماط استهلاكها — يبدو احتمالًا كبيرًا.

فالمنحى العام لدى الأزواج الشباب يميل إلى إنجاب ثلاثة أطفال تقريبًا. ومن المتوقع أن تتجه هذه الأرقام نحو الانخفاض انسجامًا مع القانون السوسيولوجي للرفاهية، الذي يربط عادةً عدد الأبناء بمستوى الرفاه المعيشي

ومقارنة بمعدلات الولادات لدى الأجداد (أو ما يمكن تسميته الجيل الأول) فإن نسلهم سيلتحق بالحركة الديموغرافية السائدة ليس في فرنسا فحسب، بل عالميًا — نحو تشكيل أسر ما بعد حداثية، تتكوّن غالبًا من أربعة أفراد، أو خمسة في أقصى الحالات
ومع أنّ هذا يظلّ أعلى من المعدّل الوطني العام للولادات — الذي يشهد انخفاضًا مطّردًا — إلا أنّ التمثيل النسبي العالي للمواطنين المسلمين سيعود أساسًا إلى انخفاض مواليد الأسر الفرنسية الأخرى الأكثر تنوّعًا (…)

ولاشك أنّ لذلك انعكاسات مباشرة على استهلاك اللحوم المصنّفة «حلال» وعلى مكانتها داخل صناعة اللحوم في فرنسا

إذا كان استهلاك المنتجات والغذاء الفرنسي المراعي للمبادئ الدينية للمسلمين يشهد في الوقت الراهن طلبًا مرتفعًا، فإنّ هذا الوضع لن يستمرّ بالوتيرة نفسها. فالمسلمون الفرنسيون — سواء مفترضون أو مُعترَف بهم — يتأثرون بدورهم بـ النقاشات المجتمعية حول الاستهلاك والبيئة.

وهكذا، ستتجه أرقام استهلاك المنتجات الحلال بشكل حتمي نحو المنحى الفرنسي والأوروبي العام في استهلاك المنتجات الحيوانية. فوفقًا لـ Nielsen، أصبح هذا السوق يقدّر بـ 280 مليار يورو سنويًا، مقابل 80 مليون يورو فقط قبل عشر سنوات. وبعد سنوات طويلة من النموّ القوي ذي الرقمين، بدأت وتيرة التقدّم تتباطأ مع زيادة سنوية لا تتجاوز 5,2%.

بل إن بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، والمتحالفة مع أجيال جديدة منفتحة على العالم وعلى النقاشات الدولية، ستشهد بدورها أثر التحوّل في العلاقة مع اللحوم والحيوانات والبيئة. وبالتالي، قد تتعزّز شهادات الحلال على أصناف مختلفة من المنتجات، غير أنّ الاستهلاك الغذائي بحدّ ذاته سيشهد نوعًا من الاستقرار وربما التراجع النسبي.

إنّ مكانة اللحوم «الحلال» في السوق الفرنسي كثيرًا ما تكون موضوع جدل، تغذّيه أحزاب اليمين المتطرّف وبعض جمعيات الرفق بالحيوان فبين الانكماشات الهُويّاتية — التي ترى في توسّع سوق الحلال علامةً على عدم الاندماج أو حتى استبدالًا للسكان الأصليين   وبين الحركة المتنامية المطالِبة بوقف جميع أنواع الذبح الحيواني، تبقى القضية حاضرة بقوة في النقاش العام ومع ذلك، فقد استطاع استهلاك اللحوم الحلال في فرنسا ترسيخ مكانته رغم هذه المواقف العدائية

ويبقى السؤال المطروح على المستهلك المسلم

هل ستظلّ اللحوم الحلال — وهي قبل كل شيء لحوم كبقية اللحوم — حاضرة بالقدر نفسه في حياتهم اليومية في المستقبل؟

المعهد  للدراسات حول الحلال (IERH)
28/08/2025